الصفحة الرئيسية › ثقافة

ثقافة جو تونس 2026- "طقوس" خليل إيبي: من تراتيل الأجداد إلى الموسيقى المعاصرة

نشر في  29 أكتوبر 2026  (17:04)

بين الذاكرة والمعاصرة، وبين أصداء الموروث وابتكارات التكنولوجيا، يقترح الفنان التونسي خليل الهنتاتي، المعروف باسم خليل إيبي، في مشروعه الجديد "طُقوس" حوارا متوسطيا بين الأصوات والصور والحركات، تلتقي فيه الثقافات في تجربة سمعية بصرية. وقد احتضنت تظاهرة "جو تونس  2026" العرض الأول لهذا العمل، والذي يواصل فيه الفنان بحثه في الموسيقى الشعبية والطقوسية بعد  كانت الانطلاقة في هذا الاختيار الفني مع مشروع "عيشوشة".

في أول لقاء له مع جمهور "جو تونس"،  قدّم الموسيقي والملحن وفنان الفيديو خليل إيبي، مساء الأربعاء، مشروعه الفني الجديد "طُقوس" الذي يسافر بجمهوره  في رحلة حسّية تتجاوب فيها الأمكنة والثقافات والذاكرات.

يشيّد مشروع "طقوس" جغرافيا موسيقية تصل ضفّتي البحر الأبيض المتوسط، من اليونان إلى فلسطين، ومن مصر إلى المغرب، ومن إيطاليا إلى تونس. إنّها أراضٍ تتباين تقاليدها، لكنّ الإنصات للموسيقى وتكرار الحركات وخشوع الأجساد تشكّل عناصر تجربة جماعية واحدة.

يقف خليل إيبي أمام منصّته الموسيقية وشاشاته، منسّقا الأصوات والصور ضمن توليفة متناغمة. وتتوالى على الشاشات وجوه وأجساد ومراسم وطقوس وتفاصيل من الحياة اليومية. تتصاعد الأصوات وتتراكب الإيقاعات وتتقاطع الإحالات الثقافية لترسم خريطة حسّية للممارسات والذاكرات.

وتعيد الموسيقى الإلكترونية تشكيل هذه المواد من دون أن تحبسها في صورة فولكلورية جامدة . فكلّ مقطع صوتي يحتفظ بأثر المكان والجماعة اللذين انبثق منهما معتمدا كتابة فنية معاصرة. وفي هذا الإطار، تصبح التكنولوجيا أداة لاستكشاف أوجه التقاطع بين تقاليد قد تفصل بينها المسافات الجغرافية، لكنها تتصل بتجارب إنسانية مشتركة.

وتكمن قوة عرض "طقوس" في علاقته بالجسد،  فبفضل مادة صوتية تحيط بالمتلقّي وإيقاعات تتصاعد تدريجيا، تتجاوز التجربة حدود الاستماع العادي. تستنفر الموسيقى الحواس، وتجذب المشاهد إلى حركة جماعية، وتستحضر ذاكرة تسبق الكلمات. عندئذ، تبدو النشوة فضاءً للتنقّل بين الذاتي والجماعي، وبين التعلّق بالأرض والإحساس بالانفتاح على ما لا نهاية له.

ومن دون السعي إلى إعادة تمثيل الطقوس أو تجميدها في قراءة تراثية، يتأمّل خليل إيبي قدرتها على الاستمرار والتحوّل. فالممارسات المتوارثة تلتقي هنا بثقافات النوادي الموسيقية وحفلات الراڤ (Rave)، في حوار تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين المقدّس والاحتفال والتجريب الإلكتروني. فالطقس لم يختفِ بالضرورة، إنما انتقل إلى فضاءات أخرى وغيّر إطاره، واستعار لغات جديدة للتعبير عن نفسه.

وإذا كانت إمكانيات التجهيزات السمعية البصرية تستحضر بعض التجارب الكبرى في عروض الموسيقى الإلكترونية، فإنّ الرهان في "طقوس" يتجاوز مجرّد البحث عن الإبهار والانغماس الحسي. يكمن جوهر العرض في الطريقة التي يوظّف بها الفنان التقنيات المعاصرة لمساءلة حركة الثقافات واستمرار الذاكرة. فالموسيقى الإلكترونية لا تمحو الجذور إنما  تقرّب بينها وتعيد تشكيله وتكشف عن أصداء غير متوقّعة.

ومن خلال هذا العمل الجديد، يفتح خليل إيبي مجالا للبحث تتغذّى فيه الموسيقى الشعبية والممارسات الطقوسية والثقافات الرقمية من تأمّل مشترك في الروابط بين الأفراد والجماعات. وقد أكّد "طُقوس"، الذي يُقدَّم للمرة الأولى ضمن "جو تونس" رغبة الفنان في اكتشاف إمكانات لغة سمعية بصرية تصل بين الأمكنة والعصور، وتحوّل الحفل الموسيقي إلى فضاء لتجربة مشتركة.